08/01/2026
لم تعد TLS Contact واقعة إدارية يمكن شرحها بلغة الإجراءات، ولا شركة يمكن احتواؤها داخل تعريف قانوني مهذّب.
لقد صارت تجسيدًا مكثفًا لمرحلة كاملة من سقوط المعنى،مرحلة قرر فيها العالم المتقدم أن يُنظّف يديه من القذارة وأن يرميها كلها على وجوه الفقراء.
وقررت فيها الدولة التونسية أن تتراجع خطوة إضافية، لا إلى الخلف فقط، بل إلى العدم، وأن تترك أبناءها عراة أمام ماكينة أنيقة، زجاجية، باردة، تبتسم وتُحصي وتطبع الإيصالات، ثم تطلب منك المغادرة بهدوء لأن غيرك ينتظر. هنا لا نتحدث عن تأشيرة ولا عن سفر، بل عن تحويل الحلم إلى خط إنتاج، والانتظار إلى مورد مالي، والكرامة إلى رقم متحرك في جدول أرباح.
هذه المنظومة لم تولد من فوضى، بل من تخطيط.
منذ اللحظة الأولى تُدخلك إلى منصة لا تعترف بوجودك كإنسان.
تُعرّفك كملف، والملف لا حياة له ولا سياق ولا ظروف، هو إما مكتمل شكليًا أو ناقص شكليًا، وفي الحالتين تدفع.
تُغلق المواعيد أسابيع طويلة بلا تفسير، ثم تُفتح فجأة كما تُفتح مصائد الحيوانات، لا لتُعطيك حقًا بل لتختبر قدرتك على الدفع.
هنا تظهر “الخدمة المميزة” كحل، لا لأنها مميزة حقًا، بل لأنها تعويض مالي عن اختناق مُفتعل.
من يدفع مئتي أو ثلاثمئة أو أربعمئة دينار إضافية لا يحصل على امتياز، بل يُسمح له فقط أن يتنفس أقل ألمًا، أن ينتظر في مكان أهدأ، أن يشعر بوهم السيطرة، بينما النتيجة، القبول أو الرفض، تظل بعيدة، غامضة، غير مضمونة، وغير مُلزِمة لأي طرف.
وحين نُنزل هذا المشهد إلى أرض الحساب، تسقط آخر الأقنعة.
في تونس، حيث الطلب على التأشيرات لا ينخفض بل يتغذى على الانسداد الداخلي.
يتقدم سنويًا ما لا يقل عن تسعين ألف ملف، وقد يتجاوز العدد مئة وعشرين ألفًا في سنوات الذروة، وكل ملف يمر إجباريًا عبر هذا القمع الزجاجي، بلا منافس وبلا بديل. الرسوم الأساسية التي تُفرض، خارج رسوم السفارات، لا تقل عن مئة دينار تونسي في المتوسط، وهذا وحده ينتج قرابة عشرة ملايين دينار سنويًا مقابل عمل شكلي بحت، استقبال وأخذ بصمات ونقل ملف.
لكن هذه ليست إلا القشرة.
الواقع يقول إن نسبة واسعة من الناس، لا تقل عن أربعين في المئة في الحد الأدنى المحافظ، تُجبر عمليًا على شراء خدمات إضافية لأنها لا تحصل حتى على موعد.
وهذه الخدمات، التي يُعاد تسويقها بذكاء لغوي كرفاهية،تكلف في المتوسط ثلاثمئة دينار إضافية للفرد.
نحن هنا، دون أي تهويل، أمام أكثر من عشرين مليون دينار تونسي تُجمع سنويًا في السيناريو الأدنى، وفي السيناريو الأقرب إلى الواقع، حيث يرتفع عدد الملفات وتزيد نسبة من يدفعون “الأولوية” ويتضخم متوسط المبلغ المدفوع، نقترب من أربعين مليون دينار في السنة الواحدة.
أربعون مليونًا تُستخرج من اقتصاد هش، من جيوب عائلات تبيع ما تملك لتُموّل محاولة، لا نتيجة.
وتُراكم ديونًا صغيرة لا تظهر في أي تقرير رسمي لكنها تتراكم في الأعصاب، في البيوت، في العلاقات، في الإحساس العام بالمهانة.
وحين نمدّ الخط الزمني قليلًا، حين نفهم أن هذا النموذج لا يعمل منذ عام أو عامين بل منذ أكثر من عقد، نكتشف أننا أمام ثروة تقترب من ثلاثمئة مليون دينار تونسي في أقل التقديرات تراكمًا.
ثلاثمئة مليار خرجت من ظهور التونسيين قطرة قطرة، بلا مشروع وطني، بلا أثر تنموي، بلا مساءلة، لأن المال هنا لا يُدفع مقابل نتيجة بل مقابل المحاولة نفسها، وكأن المحاولة صارت سلعة قائمة بذاتها.
هذا هو الابتكار القذر في النموذج، أن الفشل لا يُعاقَب بل يُكافَأ، أن الموعد الذي يُلغى هو ربح صافٍ، وأن الملف الذي يُرفض هو دخل مكتمل، وأن “العطب التقني” لحظة حصاد، لا لحظة خسارة.
لكن المال، مهما بلغ، ليس أخطر ما في المشهد.
الأخطر هو ما تفعله هذه المنظومة بالعقل الجمعي.
حين يتعلم المواطن أن يدفع بلا ضمان، وأن ينتظر بلا أفق،وأن يُرفض بلا تفسير، وأن يُطالب بالهدوء وهو يُسلب،فإننا لا نواجه شركة سيئة بل إعادة برمجة كاملة للعلاقة بين الإنسان والسلطة.
هنا تُفكك فكرة الحق بهدوء، وتُستبدل بفكرة الإجراء،وتُمحى فكرة السيادة لتُستبدل بعقد، وتتحول الدولة من حامٍ إلى شاهد صامت، يترك مواطنيه يُستنزفون لأنه يعتبر ذلك ثمنًا مقبولًا لتخفيف الضغط، ولأن الهجرة تحولت من أزمة إلى صمام أمان غير معلن.
وفي الخلفية، تعمل أوروبا ببرود استراتيجي.
لا تُغلق الباب صراحة، بل تُقيم دهليزًا طويلًا من الاستنزاف قبل الوصول إليه.
لا تقول “لا” على الحدود، بل تقول “ادفع وانتظر وحاول” آلاف المرات حتى تنسحب وحدك.
هذا هو المنع الحديث، منع بلا عنف، بلا دم، بلا صور فاضحة،لكنه أكثر قسوة لأنه يُقنع الضحية بأن ما يحدث طبيعي، تقني، إجرائي، بينما هو في الحقيقة فرز طبقي دقيق،يُقصي الفقير بالمال والصبر لا بالقانون المعلن.
أنا هنا لا أهاجم موظفًا ولا يأُحمّل فردًا وزر منظومة، لكنني أرفض الخداع الأخلاقي.
المنظومات تُدان بنتائجها، ونتيجة هذه المنظومة واضحة إذلال ممنهج، نزيف مالي ضخم، غموض مقصود، وغياب تام لأي التزام تعاقدي عادل.
لا سقف أسعار، لا آلية استرجاع، لا مسار تظلّم مستقل، لا شفافية مواعيد، وكل ذلك داخل مسار يمس جوهر حياة الناس.
هذه ليست خدمة، هذا احتكار، والاحتكار حين يتعلق بحق التنقل يصبح جريمة سياسية مهما كانت لغته ناعمة.
هذا المقال لا يطلب التعاطف ولا يقترح حلولًا تجميلية، لأنني ككتبته ليأُغلق باب الإنكار.
ما يحدث ليس قدرًا ولا خللًا عابرًا، بل نموذج ربح قائم بذاته،يُغذّى من ضعف الدولة ومن انسداد الأفق ومن صمت الجميع.
والأرقام هنا ليست زينة خطابية، بل شهادة إدانة، لأنها تقول بوضوح فجّ إن الكرامة في هذا المسار لها سعر، وإن الانتظار له تعريفة، وإن الحلم يُقاس بالدينار، وإن الصمت الرسمي هو الشريك الأكبر في الجريمة.
هذا هو البرلمان الحقيقي، لا قاعة خشبية ولا ميكروفونات،بل مقال يضع الوقائع والأرقام والمعنى على الطاولة دفعة واحدة، ويتركها هناك بلا تلطيف، لأن بعض الجروح لا تُعالج إلا حين تُفتح على اتساعها.